حيدر حب الله
129
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
ويقول أيضاً : « قوله : « متناً قبيل ذلك » في الحديث السادس ، وهذا يدلّ على جواز نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ ، وليس المراد بحفظ المعنى حفظ جميع خصوصيّات الأصل ، بل حفظ حاصل المضمون ، مثلًا في الحديث السابق : « ما يصنع الإنسان أن يتقرّب إلى الله » ، وفي هذا الحديث بدله : « ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى الناس » ، وفي السابق : « رداه الله رداءها » ، وهنا : « ألبسه الله رداءها » ، والعجب أن كثيراً من أهل زماننا يدّعون حصول الظنّ الاطميناني بصدور الأحاديث بجميع ألفاظها ، ويزعمون أنّه علمٌ في العرف والعادة ، ويستنبطون الأحكام من خصوصيّات الألفاظ التي نعلم قطعاً عدم إمكان حفظها للرواة كما هي ، ومن تمسّك في حجيّة ألفاظ الأحاديث بالأدلّة التعبّدية كآية النبأ كما عمل به العلامة وسائر الفقهاء ، لم يتوجّه عليهم ما أوردنا على التمسّك بالظنّ الاطميناني » « 1 » . تتلخّص فكرة الشعراني بأنّه لو سلكنا مسلك الظنّ الاطمئناني في حجيّة الخبر فإنّ تحصيل الاطمئنان بصدور تمام هذه الخصوصيّات غير معلوم ، بل معلوم العدم ، أمّا لو سلكنا مسلك الحجيّة التعبديّة ، فعلينا التعبّد بمفاد كلّ شيء يقوله الناقل للخبر بمقتضى آية النبأ ، وبذلك يسجّل الشعراني ملاحظته على مناهج متأخّري الأصوليّين في جمودهم على الكلمات والتدقيق فيها ، ونحن نعلم أنّ الأصوليّين مارسوا هذه الطريقة بشكل مذهل في مباحثهم حول البراءة عند تعرضهم لحديث الرفع ، وفي مباحث الاستصحاب عند حديثهم عن دليل الروايات على حجيّة الاستصحاب . والفكرة التي يقولها الشعراني مهمّة وواقعيّة ، ولكن سنتوقّف قليلًا عند تمييزه الموضوع وفقاً للمبنى في حجيّة الخبر ؛ فهل آية النبأ وغيرها فيها دلالة على حجيّة ألفاظ الناقل ؟ وهل الأدلّة التعبديّة القاضية بحجيّة خبر الناقل الثقة تفيد حجيّة ألفاظه أو لا ؟ وهل أنّ مسألة الألفاظ يُتحرّر منها فقط على مسلك الظنّ الاطمئناني ؟ وأين أفادت أدلّة
--> ( 1 ) المصدر نفسه 9 : 297 ، الهامش : 1 .